Up

 

 

بسم الله الرحمـن الرحيـم

في الذكرى الخامسة لرحيل أم الأطباء  (تابع)

                                  المجلـد التذكاري 

 

 

فاتحة وتمهيد

 

زهيرة حافظ عابدين-  في السيرة والعبرة:ِ

قراءة في نموذج للفاعلية الحضارية في زمن الإنكسار

بين الرؤيا والقدوة والممارسة

 

عاشت حياة ملؤها العطاء والتفاني في الأداء لوجه الله وخير الناس ولصالح الأمة وصلاحها: تعددت وتكاثرت وتنوعت في مسيرتها الأدوار والأطوار قدر تعدد وتنوع الحياة ذاتها في إقبال وإدبار، وقدر قابليات  تلك الحياة للبناء والعمران، كما للفساد والأختلال : ... فكانت زهيرة  دائما على ثغرة وهي تهم وتسعى في الاستجابة للحوائج الملحة التي تستشفها، أو حتى تستشرفها، وهي تجد وتجتهد بحكمة وإصرار في تلبية دواعي الحوادث والمستجدات

 

الصحة والعناية بالرعاية الصحية المتكاملة، والسعي في تطبيب القلوب (مبنى ومجازاً) كشرط لتصحيح الأبدان والأفهام، والسبق في مسح دمعة الحزن والألم عن عين طفل بائس أومسكين اويتيم، كان ذلك مدخلها للأصلاح والتصحيح والتقويم وعمل الخير ومكافحة ثالوث الفقر والجهل والمرض، ودحر الظلم ، والوقوف في وجه الفساد بغير هوادة ولاهوان، والأنتصار للحق حيثما كان.

 

المهم ان الصحة في هذه الرؤيا لم تكن هدفا في ذاتها، ولا هي نهاية المطاف: و لكنها كانت الوسيلة التي هيئها لها ربها لتكون الثغرة التي تسلك منها السبل المؤدية للأستخلاف في الأرض اداءا لفروض الأمانة ، التي يعيشها كل منا قدر سعته من الهمة والأستطاعة،  ولا يخفى قدر ما يسر لها الله سبحانه من وفر ومقدرة، ابليت بهما وفيهما خير بلاء : الى ان وافتها المنية ، وتغمدها الرحمن بعطفه و كرمه ، فلم تكن لتعبء بوهن او مرض او ضعف او قلة حيلة او هوان على الناس في زمن عز فيه الكرم وتوارت فيه الفضيلة، لم يقعدها ثقل الأمانة عن عزيمة الدأب والصبر والجلد والمثابرة التي جبلت عليها، لأن تستمر في حمل ا"لأمانة، وعن تحمل الوان المشقة في سبيل اِلا تسقط راية الجهاد الذي عاشت عمراً ترفعه،  حتى ان اذن لها ربها بالرجعى، فلاقت وجه العلي الكريم وهي على العهد حافظة : لتلحق في زمرة عباده المخلصين من الصديقين والشهداء والصالحين ممن قال فيهم وقوله الحق:   "الا ان اولياء الله لا خوف عليهم:" ... وقد بوأهم الرحمـن جل وعلى، مكانة يرضونها".. في مقعد صدق عند مليك مقتدر" ، ونعم هذا مقاماً ، وحسن اولئك رفيقا.ً (وقد كانت دائما تردد : ان يقيني بالله يقيني ،وتؤمن بأن الله لا يضيع أجر عمل صالحٍ لوجهه مصداقاً لقوله تعالى: ان الله لا يضيع اجر عمل عامل منكم  من ذكر أو أنثى .... )

ومما لا شك فيه ان ايمانها العميق بالله وفهمها لدينها كمناط معاشها ومحياها ومماتها كان له ابعد الأثر فيما عاشته من مُـثُل كانت دائمة الأستحضار لها في كل خلجة كما في كل خطوة، وهذه المعاني ارتسمت معالمها أو تجسدت عملياً في الدور الرسالي الذي مارسته على مدى عمر ناهز الثمانون حولاً وزيادة ، بدأت فيها معرفتها للحق وحبها في الله منذ نعومة أظافرها تعلقاً وتأملاً  - سؤالاً ونظراً ، وواصلتها علماً وعملاً وبذلاً وعطاء لا يكل ولا ينضب ، مستجلية الحكمة عند كل منعطف، عاقدة النية والعزم على بلوغ غايتها، دائماً ابداً متوسلة طاعة ربها ورضاه، فيما تقصده او ترتضيه، الى ان قاربت نهاية المطاف في العقد الأخير من عمرها حين داهمتها الخُطُب وتكاثفت في سمائها الُغَمُم، لتختمه بين الشكوى والمناجاة، والدعاء والرجاء، شاكرة مبتهلة، وهي في كل حالٍ صابرة ً محتسـبة. (وكان قد اشتد الوطيس بين مداد رباني لا ينقطع وابتلاء كاد ألاّ ينقضي من النوع الذي خص به الله عباده المخلصين ممن اجتباهم للُقياه وهم على المحجة البيضاء لا يكدر شيئا من صفائهم واصطفائهم وهم في الدرجة العالية المحمودة التي وعدها الحق اولياءه الصالحين.

 

(وهي ممن صدق فيهم قول: ان لله عباد اختصهم بقضاء حوائج الناس ....)

 

نعم ... انها أمي التي احببتها من كل قلبي، والتي اتضرع شوقاً للقياها على غير حال وفي خير بال مما تركتها عليه في حينها،  وان لم اكن دوماً عند مستوى حسن الظن وعلو الهمة وعمق الرجاء الذي طالما ارتأته في وتمنته لى ، واعلم انه كان رجاء واملاً و مظنـة وأماني ما بعدها من أماني، فقد بُنيت على قدر سعة صدرها الرحوب الحنون، وعلو همتها وصدق رجاءها وخلاص ودها، وليس  بحال على قدر ما بي انا من استحقاق ....ولو أن الأمر لي لكم آثرت ان استأثر بذكراها العطرة، وبروحها الفياضة الفضفاضة وهي تسكن نبضات قلبي وتؤنس وحشتي وتغمرني من فيض نور ونضارة قلما فارقتها وهي في الحياة الدنيا، والتي ما برحت تلازمها وهي في مقتبل اخراها .... أعود لأقول لو كان الأمر لي لاستأثرت بخير صحبة فيما بقى لي من عمر ... ولكن أنَّى لي ذلك ، وكيف لى ان استأثر بها الآن سيرة عطرة ولم استأثر بها يوماً في غضون مسيرة حافلة يوم ترجلت دنيا معاشها ومحياها ...وانما اجدها مرة اخرى تلح على لأن اسعى على شاكلتها بما ينفع العباد، والَّا  استسلم لهواجس الذات في الأثرة والأستحواذ، وانما على ان ابادر كي اجعل من سيرتها عبرة ونفعا للعباد ، حتى يتواصل ثوابها عند ربها في مثواها كما تحقق عبر ملحمة محياها الأدنـى ....

 

 نعم انها ابت على الإستئثار  بحسنييها ، لا ضناًعلي، بل شفقة وحباً لي حتى لا أقع في المحظور، فأحجب عن غيري خيراً  واقعاً أو محتملا،  يأتي من جراء استخلاص العبرة من السيرة، عسى ان يكون  فيها ما فيها مما ينفع الناس ، ويعود عليها بالمزيد من الثواب.

 

ومن موقع هذا الإلحاح الوجداني أجدني اليوم اجتهد محاولة استنطاق زهيرة النموذج ، مبنى ومعنى ودلالة ، حتى يمكن ان أمد الجسور بيني وبين الآخرين في مجلس المدارسة والأعتبار، لعلنا يمكن بهذا الجهد المتواضع ان ننفع الفكر المعاصر في المجالات التي تتماس وتتقاطع من خلال سيرة زهرة النموذج : أو قل، المثل والقدوة: فتكون قد امضت حياتها عمليا فيما ينفع الناس، وتأتي سيرتها لتدعم هذا النفع وتعممه نظراً وفكراً ومثلاً بما يثري الأجيال:

 

Bk1_Outline