عالم يحي ام الأطباء

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الأستاذ الدكتور/ طه جابر العلواني

 في تأبين د. زهيرة عابدين في 24/6/2002

 (هذه هي النسخة المدونــة - والتي نلحقها بالنسـخة المستنسخة عن الكلمـة .. )

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ، وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. ونصلي ونسلّم على سيدنا وحبيبنا محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

ثم أما بعد: فأنَّني لم أعتد حضور حفلات التأبين للعزاء؛ إذا أن الشرع جعل العزاء خلال ثلاث من تاريخ الوفاه ولا عزاء بعد ثلاث؛ لكنّ هناك أعلاماً لا تعدُّ مناسبات تأبينهم مناسبات عزاء؛ إذ من يعزي من؟ بل تكون تلك المناسبات وسائل وميادين لاستخلاص العبر، والحصول على الدروس من حياة أولئك الراحلين و}إِنّ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ{ فإذا تجاوزت هذا فإنها تصبح مناسبات لتكريم الأحياء من أسرهم وذراريهم، لا مناسبات عامَّة يمكن أن تشْدّ لها الرحال.

 زهيرة الأم والصديقة:

        د. زهيرة-بالنسبة لي- ليست والدة زوجتي "منى" فحسب، بل هي والدتي أيضاًَ. وإذا أردت أن أذكر أهم يد بيضاء لزوجتي علىّ فهي أنهّا جعلتني من زهيرة بهذه المثابة فلم تكن زهيرة بالنسبة لي حماة، بل والدة. فقد فقدت والدتي في طفولتي فبحثْت عن الأم في خالاتي وعماتي ونساء أسرتي الكثيرات فلم أجدها. لكنني وجدت شيئاً من ذلك في أول سيدة من خارج أسرتي- هي الحاجة "حسيبة الباجه جي" التي بنت أول مسجد أسس على التقوى في "الكرادة الشرقية" المقامة في منطقة "كلواذي" العباسية القديمة في بغداد. وكنت أول إمام وخطيب تم اختياره لذلك المسجد الجامع عام  (1953م) وكنت دون الثامنة عشرة فجرت عمليَّة "تسنين" أي زيادة في السن بطريق المحكمة لأصبح مؤهلاً بشكل رسميّ للإمامة. وكانت الحاجة حسيبة التي وضعت آنذاك جل ما تملك في ذلك المشروع قد اتخذت منى ولداً لا موظفاً، وقد وجدتني-آنذاك- سعيداً بذلك ولم يزايلني ذلك الإحساس حتى وفاتها في سنة (1973م) تغمدها الله برحمته، واسكنها فسيح جنّاته، وغفرلي ما لحقها من أجلى من متاعب بعد بدء السلطة في بغداد بمتابعتي حتى بعد رحيلي عن  العراق، والانتقال لحياة المنافي، أو الحياة العالمية.

        أما بعد زواجي من منى، وتقديمها لي إلى والديها وأسرتها وفي مقدمتهم الوالدة د.زهيرة فقد شعرت أن هذه السيدة التي كنت ألقبها "بالسيدة الحديديَّة" هي الأم التي كنت أبحث عنها كل تلك السنين، وأحسست منذ اللقاء الأول سنة 1985م كأنني أعرفها منذ عقود. فكأنهّا كانت في تلافيف الذاكرة بصفاتها وأخلاقها وطموحاتها حتى إذا أذن الله باللقاء صدّق الخُبْرُ الخبر. لقد اكتشفت فيها صفات قل أن تجتمع لشخص واحد. فهي بالإضافة إلى شخصيتها المتوازنة، المتماسكة القويَّة تجمع بين الفكر النيِّر، والقدرة العمليَّة الفائقة، والحزم الشديد، والصرامة العادلة، والتصميم الذي لا يقبل الانكسار، وتوخيِّ الأهداف، ومواصلة الجهد حتى بلوغ الهدف، والوصول إلى الغاية، والرغبة الأكيدة في الإنجاز، وبلوغ النهاية فيه، وعدم الانقطاع عنه. يساعدها على تحقيق ذلك-كلّه- ذكاء خارق وخلق عالٍ، وتديُّن خالص، وحب وجدانيَّ لله ولرسوله -e- فهي في حبّها لله ولرسوله تترسَّم خطى خديجة، وفي معرفتها بالدين واطلاعها عليه تترسَّم خطى عائشة وحفصة، وفي اطلاعها على شئون وشجون الحياة تترسَّم خطى زينب وسكينة. وفي علومها تترسَّم خطى نفيسة العلم. وفي صوفيتَّها النقيَّة تترسَّم خطى رابعة. أمّا روح المنازلة، والشجاعة الفائقة فتستمدها من أم عمارة، ومن تطيق ما تطيق أم عمارة؟؟‍ !!

 

اللحظة التاريخية:

        إنّ زهيرة أمّة تجلّت في مشاريع عديدة. لقد برز نجم زهيرة وبدأ يسطع في منتصف القرن الماضي- القرن العشرين- وهي المرحلة التي بدأ فيها تراجع مشاريع الإصلاح التي كانت تبنى في الداخل الإسلاميّ انطلاقاً من قيمه الحضارية ومصادر تكوينه، وتؤسَّس بفكر وأدوات وآليّات إسلاميَّة، غير مستوردة أو سابقة الصنع في الخارج. ولكن الجهود  المتصلة لإقناع الأمة بضرورة استيراد أفكار التغيير، وفكر المقاربات، وتشكُّل نخبة بدأت تتقبل ذلك قد سهّل ذلك-كلُّه- عمليات تقليد الخارج ونقل خبراته وتجاربه في التغيير، واعتبار تلك التجارب وما ورائها من أفكار مُشاعاًَ إنسانياً لا ينبغي التردّد في نقله والاستفادة به، بل ربما زاد البعض وأكد أننا لا نفعل بذلك أكثر من استرداد بضاعة كانت قد أخذت منَّا: فأشرعت الأبواب أمام عمليَّات استيراد الحلول والأفكار والمبادئ ومفردات الخطاب، ومداخل التغيير، وآليَّات الإنتاج التغييريّ أو النهضويّ. ولم يلتفت في بادئ الأمر إلى الأعراض الجانبيَّة التي لابد أن تظهر مع الأفكار الواردة، لأن سماسرة الأفكار والمبادئ لم يكن يهمهم إلا إيجاد القطيعة بين الأمَّة وتراثها وتاريخها ودفعها لاستلهام تجارب الآخرين أيّا كانوا؛ لأنها في نظرهم الوسيلة الفاعلة للِّحاق بالركب المتمدين كما توهموا!! وأوحت عقليَّة التقليد، ونفسَّية القياسيّين بصدق ذلك، وسرعان ما انهارت في الأمة مولِّدات الإرادة الذاتيَّة، وتهاوت دوافع الحركة والدافعيَّة، وسقطت أركان ومقوِّمات الفاعليَّة، وأحاط الضباب بمصادر الشرعيَّة.

        كانت الحركة النسويَّة قد بدأت تظهر في المحيط الاجتماعيّ الإسلاميّ. فقد وقع على المرأة المسلمة حيف شديد في العصور الأخيرة، وتم تجهيلها وتهميشها، ولم يعدلها غيرها مش محدَّد داخل الأسرة، ولم يحدث تغيير إسلاميُّ، داخليُّ، لأوضاعها؛ لذلك ما إن بدأت عمليات التفاعل مع الغرب والنقل عنه حتى نقلت قضيّة المرأة إلى الساحة الإسلاميَّة نقلاً قائماً على التقليد، ولعل نقل الأزمات يجعل من تشابهها مسوِّغاً لتقليد الغرب، وإسكات الأطراف المحافظة المعترضة فتشابه الأزمات يسوِّغ تشابه الحلول.

        كان ذئب انقره كمال أتاتورك في مقدمة من تبنوَّا استغلال قضيّة المرأة باعتبارها مدخلاً من مداخل التغيير الاجتماعي في تركيا والعالم الإسلامي.

        فوجه زوجته "لطيفة هانم" وبعض من حولها من نساء الطبقة الحاكمة الجديدة لبناء وقيادة حركة نسويَّة تعمل على تغريب المرأة المسلمة وقضاياها في تركيا الحديثة لينعكس ذلك على حواضر العالم الإسلامي ولو بعد حين.

        فبدأت في مصر حركة نسويّة موازية ومماثلة في التوجُّه العام والأشكال الخارجية وإن كانت هناك فوارق لا مجال للتفصيل فيها وبدأت تظهر معارك طاحنة بين الجديد والقديم انخرطت فيها معظم فصائل الأمّة، وأهدرت من طاقاتها الغالي والنفيس، ودمَّرت من علاقاتها وإمكاناتها ما يفوق التقدير: فقامت معارك الحجاب والسفور، والاختلاط والفصل، والعمل والوظائف، والتعليم النسويّ وماهيَّته وحدوده والمساواة التامة أو النزول عنها، وهل تنطلق من الفرد-كما تريد اللبراليَّه أو من الأسرة كما يوجِّه الإسلام؟ وأتِّهم الإسلام بالحط من شأن المرأة حين أو كل أمر تزوجيها إلى أوليائها، وأعطاها في الميراث نصف ما يعطي الرجل، وجعل شهادتها في المعاملات نصف شهادة الرجل. وأباح للرجال تعدّد الزوجات، وجعل العصمة بيد الرجل، وأباح للرجل هجر المرأة بل وضربها عند النشوز إلى غير ذلك من شئون وشجون لم يصل الناس فيها حتى يومنا هذا إلى كلمة سواء. وكيف يمكن الوصول إلى شئ من ذلك مع انهيار المرجعيَّة واضطراب الرؤية الكليّة وتناقض واضطراب المنطلقات؟! وقَرَّ في أذهان النخب المستلبة من رجال ونساء من أبناء أمّتنا أنه ما دام قرآن يتلى وكعبة تزار وإسلام سائد في مجتمعاتنا، وإيمان يعمر قلوب المؤمنين والمؤمنات فلا أمل في تطوير المرأة المسلمة، ولا رجاء في تحسين أحوالها.فضلاً عن تقدُّمها ولحاقها بالنساء والغربيات: فكثرت على الإسلام المعاول، وتعاورته من كل جانب، وتمنىَّ البعض أن يقوم دكتاتور مثل كمال أتارتورك في كل بلد مسلم يحدث الانقلاب والتغيير بعد أن يكون قد بنى شعبيَّة يمكن توظيفها في ذلك، فترفع الدكتاتور وتطلق يده في مقدّراتها كلّها-ليستبد بها كما يريد:

        رفعتك كالصنم المؤلَّه أمَّة               لم تسلُ بعد عبادةَ الأصنامِ.

 

زهيرة الأمّة:

        في هذه الظروف الحالكة برزت زهيرة عابدين على حين فترة من قياديّات النساء المسلمات لتقول لهؤلاء جميعاً: كفوّا عن هذا الغثاء، وأعرضوا عن ذالكم اللغو والهراء-فها أنا ذا مسلمة مؤمنة ملتزمة ساعدني التزامي بالإسلام عقيدة ومبدأً ونظامَ حياة على التفُّوق في سائر المجالات العلمَّية والعمليَّة!!

        يثبت لكم النظر في سلوكي وسيرتي أنّني لم أضع صلاة واحدة منذ بلغت التاسعة من عمري، وحفظت وتعلمت الكثير من سور القرآن المجيد، كنت أحرص على الصلاة جماعة وفي المسجد، أقوم من الليل ما يوفقني الله إليه، أصوم الاثنين والخميس والأيام الفاضلة إضافة إلى شهر رمضان المبارك وكنت-مع ذلك- الأولى على القطر المصري، والأولى في كليَّة الطب، والأستاذة الأولى فيها.

        لم أتخلّف عن مؤتمر علميّ هام في الشرق أو الغرب كتبت ما يزيد عن خمسين ومائة بحث علميّ حظيت-كلّها- باهتمام المتخصصين، وحصلتُ على الكثير من الجوائز الهامَّة، والدرجات العلميَّة الفخريَّة نجحت في القضاء على أخطر أمراض الطفولة في بلادي، لإدراكي أنّ صحة الطفل أساس لصحة المجتمع. لم يمنعني تديُّني وحجابي وتشُّبثي بإسلامي من شئ من ذلك، بل على العكس كان حافزاً ومشجِّعا لي على المضىّ في ذلك السبيل!!

        لقد رأت د.زهيرة أنّ مرض "روماتزم القلب" مستشرٍ يفتك بالمئات، بل الآلاف من أطفال مصر فوالت بحوثها ودراساتها وجهودها لتطهير مصر منه، ولاستمرار المحافظة عليها من عودته ثانية إليها فأسست "جمعية أصدقاء مرضى روماتيزم القلب" وانبعثت عن هذه الجمعيَّة فروع ومؤسسات يقف في مقدِّمتها ذلك الصرح العملاق "مركز صحة الطفل".

        وتتابعت المؤسسات والجمعيات التي أسستها زهيرة للعناية بصحة العقول والقلوب والأبدان. فأسّست مدارس اللغات "طلائع الكمال الإسلامية" لتنافس أرقى المدارس التي كانت وقفاً على الأوربيّين والأمريكان الوافدين فأثبتت أن العقل المصري المسلم قادر عندما تتاح له الفرصة على أن ينافس ويتفوق في سائر المجالات.

        إنّ ذكاءها الخارق وقدراتها الإبداعيَّة قد جعلتها ترتاد معظم المجالات الإنسانية والخيريَّة في داخل مصر وخارجها، وتقف على معظم الثغور وتوزع جهودها بعدالة نادرة بين الطفل والمرأة والمسنين والطلاب والشباب، وضحايا العدوان أو الأخطاء والكوارث. وقد ذكر السادة الذين سبقوني، وسيذكر الآخرون التفاصيل الكثيرة والدقيقة لتلك الجهود المباركة.

        لقد أثبتت زهيرة أن الجهود المخلصة يمكن أن تقنع الناس بجدواها، وتستثير فيهم الأريحيَّة الكامنة، وتبعث في نفوسهم الثقة الغائبة فتجعلهم في غاية الإقبال والحماس إلى العمل الخيري حتى في الأماكن التي جفت فيها المنابع، وأثبتت أن الإقبال على تمويل العمل الخيريّ لا يتوقف على ازدهار الاقتصاد ووفرة المال لدى الأفراد بقدر ما يتوقف على إخلاص القائمين على الأعمال وتجردهم، وتعاليهم على الانتفاع الشخصي.

        لقد ابدعت د.زهيرة في مجال الطب والبحث فيه ووسائل معالجة الأمراض المستعصية، بل ومنهجية تعليم الطب، فأسست "كلية طب نموذجيَّة" في دبي فكانت كلية نموذجية في سائر أركان العمليّة التعليميّة وقيل : لن تنجح التجربة، لكنها نجحت بفضل الله- ثم بتصميم وعزم ومواصلة زهيرة، وحصلت لها على الاعترافات العالميّة المطلوبة.

 

زهيرة واحتراف العمل الخيري والإسلامي:

        زهيرة لم تفعل كما فعل الكثيرون من أولئك الذين تخلّوا عن تخصصاتهم واحترفوا العمل الخيري والإسلامي بحيث لم يعودوا قادرين على العودة إلى تخصصاتهم مرة أخرى، وقد يتحولون إلى عبئ على العمل الإسلامي والخيريّ ذاته، بل ضمت ذلك إلى عملها المهني بتوازن عجيب لا يطيقه إلا زهيرة. لذلك كانت زهيرة-في نظري المتواضع- "المشروع الإسلاميّ التجديديّ العمليّ، المقابل لتحدي "المشروع التغريبي الحداثي" فزهرة رمز مشروع الأصالة في مقابلة مشاريع الاستلاب والتغريب.

        لقد أثبتت زهيرة-عملياً- أن إيمان المرأة وإسلامها وحجابها وتشبثها بالفضائل الإسلامية، ووقوفها عند حدود الله والتزامها بأحكامه وتعاليمه تشكل دوافع إضافيّة لإثراء فاعلية المرأة المؤمنة.

 

زهيرة وتجدد الحياة:

        هناك نقطة هامّة في حياة زهيرة جديرة بالتنويه، وهي أن زهيرة قد سقطت من الدور السابع في بئر السلم حين كانت تسرع للحاق بصلاة العشاء، وذلك في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك سنة (         ) وتوقع الجميع أن تكون تلك السقطة نهاية حياة زهيرة، لكنّها نجت وخرجت من تلك السقطة المميتة معافاة، واعتبرت نجاتها خطاً فاصلاً، وفسحة في الأجل لابد لها من استثمارها فلم تضع من حياتها بعد ذلك ساعة واحدة إلاّ في عمل برأو إعداد لـه حتى دخولها الأخير إلى المستشفى، وبعد دخولها المستشفى لم تكن تتوقف عن تشغيل من حولها والاقتراح عليهم. فذهنها كان متوقداً معطاءاً حتى اللحظات الأخيرة.

        لقد كانت زهيرة أمّة-وحدها- ونحن أحوج ما نكون في عصرنا هذا إلى نموذج مثل زهيرة تقتدي به نساؤنا وبناتنا.

 

كرسي زهيرة للدراسات النسوية:

        لقد كانت زهيرة إضافة إلى كل ما تقدم زوجة مخلصة أمينة وأمّاً لأربع يحمل كل منهم شهادة دكتوراه في تخصص هام وجدة لسبع. وأمّاً للأطباء المصريين، وللعديد من الأيتام والمعوقين. لذلك فإنّ "جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية" في فرجينيا بالولايات  المتحدة الأمريكية كانت موقفة غاية التوفيق حين أنشأت كرسيّاً لدراسات المرأة المسلمة في 17أبريل عام 1998م، يحمل أسم الدكتورة زهيرة حافظ عابدين، وقد جاء في حيثيات وأسباب ذلك القرار الذي صدر عن مجلس أمناء الجامعة ما يلي:

        ألف الناس أن يكرموا المبدعين ويحاولوا تخليد أسمائهم بعد وفاتهم. لكن جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية قررت تخليد أسم هذه السيدة العظيمة في سيرتها العلمية والعملية في حياتها، لتقديمها مثلاً ونموذجاً للمرأة المسلمة المعاصرة التي تمثلت فيها كل معاني الأصالة والمعاصرة. فهي امرأة ورعة متدينة لم تفرط في شئ من واجباتها الدينية صغيراً كان أو كبيراً. وهي أم لأربعة، ثلاث من البنات وابن، كلهم قد حصل على الدكتوراه في تخصص هام برعايتها وتوجيهها، وهي سيدة مجتمع عرف عنها الحرص على أداء الواجبات الاجتماعية، وربة بيت متميزة وكريمة في بيتها. ومن هنا تمثل د.زهيرة التي خرجت للحياة العامة من أوسع أبوابها مع حرصها على أولوياتها الأسرية، نموذجاً متوازياً نادر المثال نتمنى أن يتحول إلى ظاهرة مشعة بين نساء الأمة.

        والدكتورة زهيرة عابدين، إضافة إلى ما تقدم، هي حاملة لقب "أم الأطباء" في مصر، وقد منحت الدرع الذهبي لكلية طب القصر العيني بمناسبة مرور مائة وخمسين عاماً على تأسيسها، كأقدم كلية طب في العالم العربي، وهي كذلك رائدة الطب الاجتماعي في المحيط الإسلامي بل في العالم أجمع. ولدت في القاهرة عام 1917، وكانت أول طبيبة يسمح بتعيينها في هيئة التدريس بالجامعات المصرية. وكان ذلك إثر عودتها من إنجلترا عام 1949 واجتيازها لامتحان عضوية الجمعية الطبية الملكية بجدارة. تخصصت في طب الأطفال وروماتزم القلب، وقدمت في هذه المجالات من الأبحاث والجهود العلمية والخدمات العامة ما أهلها لأن تكون الطبيبة الوحيدة على مستوى العالم التي نالت الدكتوراه الفخرية في العلوم الطبية من جامعة إدنبرة بإنجلترا عام 1980م، وأن تكون أول مسلمة عربية تمنح جائزة اليزابث نورجال العالمية للمرأة والخدمات الاجتماعية من ألمانيا عام 1992.

        عُرف اسمها منذ خمسينيات القرن العشرين بجهودها المتواصلة في العمل العام لصالح أطفال وفقراء المسلمين في الأمة. فقد أسست في مصر الكثير من مؤسسات العمل الخيري للأطفال وغيرهم من الفئات الاجتماعية، منها جمعية أصدقاء مرضى روماتيزم القلب للأطفال، ومركز القلب والروماتيزم بالهرم، ومعهد صحة الطفل، ودار للطلبة الجامعيين المتفوقين والمعوزين، ومجموعة مدارس الطلائع الإسلامية للغات المتكاملة حتى المرحلة الثانوية، ودار ضيافة للمسنات، وشملت خدماتها رعاية الأرامل واللقطاء ووقفا لليتامى. هذا إضافة لرعايتها لجمعية الشابات المسلمات بالقاهرة على مدى عشرين عاماً، وقد أسندت إليها رئاستها، حيث قامت بإحياء وتعزيز النشاط الخيري لهذه الدار. هذا فضلاً عن أعمالها التأسيسية الأخرى.

 

        وأمتد نشاطها العلمي والخيري لخارج مصر، حيث أسست أول كلية طب للبنات بدولة الإمارات العربية. وأقامت مؤخراً وقفاً لتعليم أطفال البوسنة والهرسك.

        ومن هنا يتضح أنه لا أحد أحق بأن يحمل هذا الكرسي اسمه من أهل العصر غيرها، حفظها الله ورعاها، وأكثر في نساء الأمة أمثالها، وجعلها قدوة ونموذجاً ومثالاً لمسلمات العصر اللواتي تشتد حاجتهن إلى رؤية ذلك النموذج والمثال، إنه سميع مجيب.

        وبعد: فهل لي أن أقول في ختام هذا ما قاله أبو الطبيب:

فلو كل النساء كمن فقدنا                       لفضلت النساء على الرجال

 

 

Back Up Next

 

كلمة الأستاذ الدكتور/ طه جابر ال