|
المقالة التالية نادرة من جريدة الأخبار – نشرت في الخامس من ديسمبر سنة 1965 – في باب كان يقوم عليه المرحوم الأستاذ أحمد الصاوي – وتحتوى في الواقع على مذكرات كتبتها الدكتورة زهيرة في اثناء رحلتها حول العالم في هذه الفترة – وبعد عام واحد من هذا التاريخ جاءت حادثة السقوط من الدور التاسع في عمارة العجوزة _ والتي شكلت نقطة فارقة بين مرحلتين في عمر ها ...
إنها رحلة طبيبة قديسة من جمهوريتنا، قصدت انجلترا، ثم أمريكا، ثم اليابان، وهي تسجل خواطرها وانطباعاتها مستخلصة في كل خطوة الموعظة الحسنة... يكتبها: أحمد الصاوي محمد من الخنافس إلى دار السلام! عرفتها منذ سنوات، تلك المواطنة الصالحة، تلك الطبيبة البارعة تلك المتبتلة الطاهرة، الحاجة الدكتورة زهيرة عابدين، راعية مركز رعاية الأطفال المهددين بروماتيزم القلب، على الربوة العالية التي تجاوز فندق مينا هاوس.. وكان أخي الكريم الدكتور السيد أبو النجا قد تفضل والسيدة الفاضلة قرينته باصطحابي معهما لزيارته.. وحضرت حفلا عائليا سنويا يضم نخبة مختارة ما فضليات السيدات وخيرة الرجال.. وكتبت يومئذ عن هذه الزيارة.. وكان البناء الجديد لم يتم تشييده بعد.. ولم يكد يتم حتى قامت حوله زوبعة حركة رمال صحراء ونار غبارها بين هذا المركز العلاجي الإنساني الفريد عندنا، وبين الشركة التي تدبر فندق مينا هاوس، إذ أرادت أن تستولي عليه لتحوله ملحقا بفندقها العتيق..! وكنت من الذين ساءهم هذا الاعتداء الصارخ، ورأيت فيه عملا رزيلا خاسرا للطرفين. فهو كان قد تكلف حتى ذلك الحين خمسين ألفا من الجنيهات، وصمم على أن يكون فاعلات لأسرة الأطفال، ليؤنس بعضهم البعض، وتحويل ذلك كله أو قلبه رأسا على عقب، كان سيكلف إدارة فنادق مصر الكبرى خمسين ألفا أخرى من الجنيهات، فقلت لهم أو كتبت لهم بالأحرى ا، عملهم خاطئ من أساسه وفي روحه. فالاستيلاء على هذا المركز يضر الفندق ولا ينفعه، وكان الأولى بهم أن يفكروا في بناء " نيو مينا هاوس " ـ فندق جديد مكيف الهواء مصمم على أحدث النظم الفندقية، وذلك في حديثهم الغنية الواسعة التي تقدر بعشرات الأفدنة. وكان أن وفقنا الله إلى تحقيق هذا الرجاء بفضل الدكتور عبد القار حاتم ، نائب رئيس الوزراء ـ وكان يومئذ وزير الإرشاد القومي والسياحة والإعلام. وهو رجل تقي، حصيف، ألمعي، قدر الظروف قدرها، وحكم بالعدل، ورفض أن يحقق هذه العملية الخاسرة، معنى ومبنى !.. ومنذ ذلك الحين وأنا ألقى الدكتورة زهيرة عابدين من حين إلى حين، وأزداد كل مرة تقديرا لزهدها وتقشفها وتفانيها في خدمة المجتمع، في صمت قدسي عجيب. ولكن لنبدأ الآن بالبداية، وندعها نتحدث عن رحلتها، وكيف عنت لها فكرة هذا الحديث: أبعث بتحيتي من الطائرة في طريقي إلى سان فرانسيسكو إلى طوكيو.. وهو طريق طويل يتكون الجزء الأول منه إلى هنولولو (حوالي خمس ساعات ) ـ حيث استراحة ساعة ـ لم تعاني ساعات طيرن متواصلة إلى العاصمة اليابان رأيت أن أقطعها بالتحدث إليكم فقد أخبرتني الأخت الفاضلة السيدة أنيسة محمود فهمي بأنك ترحب ببعض الخواطر تعرضها علي قرائك الكرام عما يخالط نفس الغريب في البلاد المختلفة من خواطر قد تكون فيها عظة أو يتلقن منها درس من دروس الحياة.. نعم.. لقد تلقيت دروسا كثيرة خارج النطاق الفني.. ففي أول الرحلة من انجلترا إلى أمريكا، ركبت إلى جانبي سيدة أمريكية كانت تمضي أجازتها في ربوع أوروبا، وبدأت تتحدث إليّ فاستهلت كلامها بنقد الفرنسيين وأكبار الانجليز، فأدركت أن السبب في ذلك هو ما لقيته من فارق في التأدب وحسن معاملة السائح، وما لاحظته من نظام وصدق وعدم تلاعب، وقالت أن الإنجليز شعب متحضر، أما ما تناولته في باريس من أكلات شهية وما شاهدته من مناظر جميلة فلم يبهرها بقدر ما هرها صدق المعاملة واستتباب النظام في انجلترا.. فقلت لنفسي وأنا أسمعها أنني لم أكن أتصور أن تعرف عامة الشعب ومعاملتهم للسائح تترك كل هذا الأثر من التقدير، وتمنيت لو أننا في مصر أخذنا هذا في الاعتبار، فكرسنا جهودا خاصة لتثقيف الفئة التي تتعامل مع السياح، من الشيال إلى سائق التاكسي، ومن الترجمان إلى المرافق، إلى الخدمة الفندقية ومحال البيع الرفائع السياحية، ففي هذا كله ما يغز من سمعة وطننا دون أن يكلفنا كثيرا.. ولكن.. هذه الخنافس! ونحن إذ نذكر انجلترا عامة ولندن خاصة بما اشته به الشعب من حسن معاملة السائحين، ودقة النظام، والأمانة، لا يسعني إلا أن نسجل التناقض الذي راعني من الشاب المسمى بالخنافس، وهم جماعة من الصبية تكاد تراهم كلما سرت في أي مكان، وقد أرسلوا شعورهم تتدلى، وزججوا حواجبهم وتشبهوا بالإناث على نحو مزعج بغيض يجعلك تتراجع في حسن تقديرك لهذا الشعب، حقا أن الشباب المراهق في انجلترا يعتبر عقبة كأداء في سبيل السمعة الحسنة.. فلا مال ولا إنشاءات يمكن أن ترتفع بها شخصية الشعوب إذا تداعت أخلاقها وانحل شبابها. إن الخلق أصبح الميزان الحقيقي لحضارة الشعوب وها هي مشكلة أخرى في انجلترا أعمق مما ذكرت وقد لمستها عن قرب في زيارة طويلة إلى انجلترا منذ أكثر من عامين: تلك المشكلة اللقطاء وما تؤدي إليه من جيل عليل نفسانيا ومراهقة فاسدة مفسدة وإن ما يبذل من المال في مشاكل هؤلاء، في أي مقاطعة، يربوا كثيرا على ميزانية الرعاية الصحية.. لقد تعددت بيوت إيواء اللقطاء ونشط الاجتماعيون والاجتماعيات وعلماء النفس والخطباء والمدرسون لمعالجة هذه الانحرافات بما في ذلك الأحاديث الدينية بالكنيسة والراديو والمدرسة.. تكاد لا تنقطع.. إنها مشكلة ضاقت بها الدولة والساسة وأصبحت تعالج على شتى المستويات، حتى في البرلمان.. همست مرة في أذن إحدى الاجتماعيات: ألا من علاج!!.. قالت: العلاج عسير، إننا ندفع اليوم ثمن الانطلاق في الحرية الآن أصبح عيسرا.. وهذه الحرية الطائشة هي السبب في كل هذا العناء.. فليتنا نعتبر ونحن في دور انتقال وتطور حتى لا نهوى في هوة لا حول لنا بها ولا قوة. واعتبروا يا أولي الألباب!.. ماذا في أمريكا وكانت هذه أولى زياراتي للعالم الجديد.. هبطت أول ما هبطت على واشنطن في ساعة متأخرة من ا لليل فهي بلدة جميلة يقطنها مليونان من الأمريكان، نصهم من السود، شوارعها نظيفة، متسعة، محوطة بالخضرة النضرة، ومبانيها حديثة ضخمة، ومتاحفها متعددة جميلة ومن معالمها الظاهرة مبنى الكابتول للبرلمان، ومبنى المونومنت وهو أشبه ببرج مال تكاد تراه من كل مكان.. كذلك من معالمها ـ في رأيي الخاص ـ المركز الإسلامي ومسجده العالمي، وهو تحفة تجذب المئات من الأمريكيين في أيام الآحاد والجمعة، وتقصده الوفود من طلبة الجامعات والمعاهد مع مدرسيهم، كذا الراهبات والرهبان وغيرهم.. للزيارة.. ويبذل القائمون عليه مجهودا مشكورا منظما في التحدث من تاريخ المبنى وهدفه وما حواه من معالم وفنون وكذا نبذة عن العقيدة الإسلامية وما تضمنته من ترثا فيه سعادة الشعوب وضمان السلام.. إنها رسالة ساعدت في كشف كثر من الظلمات التي كانت تسود عقلية الأمريكي في هذا الشأن.. حضرت أحد أيام الآحاد فراعني المجهود الذي يبذل في المركز الإسلامي وراعني أيضا ما لمسته من كثير من الشباب الأمريكي خاصة، من إقبال واستماع في إعجاب وإجلال.. إن الدعاية الصهيونية الواسعة بأمريكا لابد أن تقابلها جهود من جانبنا، والشعب الأمريكي عموما شعب فيه طيبة وحسن تقبل.. ليتنا نعمل!.. والآن.. فلننتقل إلى نيويورك، الميناء العالمي الضخم الذي يقطنه أكثر من عشرة ملايين نسمة، تعددت أصولهم وتغلبت عليهم الآلية.. فالكل يعمل كالآلة المسخرة لا تكاد ترى بسمة الآدمية أو الإنسانية بمعناها الأصيل.. وإنني إذ أقول ذلك لا أنتقد كثرة العمل والتفاني فيه، بل على العكس، فقد أكبرت في الأمريكي نشاطه وعمله الكثير البناء وأن ما تنعم به أمريكا من ثراء وافر ومال لا يحصى، على حد قول الأمريكي لا يعرف أين ينفقه!.. وأن التقدم السريع في كل الميادين والإنشاءات التي لا حصر لها في كل مجال هو لا شك إلى حد كبير ثمرة من ثمار هذا العمل وهذا النشاط فقط لا أحب العمل الذي ينسي الشخص معاني الإنسانية والمحبة والتعرف على الإخوة والتنعم بشيء من معاني الحياة والود. كذلك راعني ما انتشر في هذا البلد من حوادث السرقة والنشل، وفي الواقع أن الإنسان خصوصا الغريب وخصوصا السيدات والكبار لا يأمن السير في المساء بأي حال. تناقضات عجيبة ولكن هذا هو الواقع وهكذا ترى الإنسان يعلو في أفق حتى يدنو السحاب في حين ينخفض في أفق آخر إلى الحضيض، قصور الإنسان والطاقة البشرية من عجائب هذا البشر حتى في أقصى درجات المدنية. وإن المشكلة التي تعانيها الحضارة الغربية اليوم هي كما قلت مشكلة الخُلق. لقد استأصلت أمريكا أو كادت تستأصل أكثر أمراض الجسد. لقد انمحى أو كاد ينمحي الذباب فانمحت أو كادت تنمحي أمراض الذباب من نزلات معوية إلى حميات إلى دوسنتاريا الخ.. لقد تلاشت أو كادت تتلاشى مشكلة الحمى الروماتيزمية وروماتيزم القلب بسبب العلاج المبكر بالبنسلين وتثقيف الشعب الخ. كذلك كاد يتلاشى شلل الأطفال بسبب تعميم التطعيم الواقي. لقد تلاشى أو كاد مرض السل بسبب العلاج المبكر والتثقيف الصحي الخ.. ولكن لم تستأصل بعد أمراض الروح وهي لا تقل خطرا فلا أمن ولا استقرار للأفراد ما دامت هذه الأمراض تهدد الفرد وتعكر صفو حياته. ليتنا نفطن لذلك ونحن نبني مجدنا الجديد وجيلنا الجديد. مؤتمر طوكيو نبذة صغيرة عن مؤتمر طوكيو. المؤتمر الدولي الحادي عشر لطب الأطفال جمع حوالي أربعة آلاف طبيب حوالي النصف من اليابان والنصف من الخارج من كافة أقطار الأرض من الغرب والشرق، امتاز بنظام دقيق رائع وبغزارة المادة يعتبر مفخرة لليابان وهو لا شك حافز على احترام شعب اليابان وإجلاله. ولعل ظاهرة إقبال الياباني ورغبته الأكيدة في إرشاد الغريب ومساعدته في أبرز خصائص هذا الشعب سألت فتاة وهي تهرول مسرعة إلى عملها عن مكان ما فما كان منها إلا إن انحازت عن طريقها وسارت معي طريقا طويلا وعبثا حاولت أن أنبهها عن ذلك فما كان جوابها إلا أن تقول أود أن أرشد( to guide ) تكرر ذلك أكثر من مرة معي ومع زملائي فعلمنا أنه خلق أصيل في نفوس هذا الشعب العظيم. حضر عن ج. م. ع معي الأساتذة: د. مصطفى الديواني و"د" شفيق عباس و"د" جميل والي ود. ممدوح جبر وألقى الجميع أبحاثا مشرقة ورأس د. الديواني جلسة الطفيليات وظهر صوت مصر بين الأمم وشعرنا براحة من أدى واجبا حتميا لوطننا ونهضتنا.. الآن أكتفي بهذا القدر واستعد لأن أتهيأ لزيارة الأراضي المقدسة الحبيبة أطرح حياة العلم والعمل الدنيوي لأستقر ولو أياما قليلة في جو قدي يدخل على النفس راحة وسعادة لا يضارعها سعادة المدنية البراقة في أمريكا ولا حتى لذة العلم والبحث والاكتشاف إنها سعادة تفوق كل سعادة إنها سعادة بدأت أشعر ها قبل أن أغشاها وبت أعيش فيها منذ طرحت الدنيا وتأهبت لها.
|
|
Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment -
M.A.F.]. All rights reserved.
|