رحلاتـي حول العالم : وماذا تعلمت منها

 ... أوصيكم يا أبنائي

A Journey with Heart and Mind! 

Sharing and Learning...

From a Globetrotter's Diary...

 

محاضــرة القتها

الدكتورة/ زهـيرة عابدين

أستاذة طب الأطفال بجامعة القاهرة

في كلية البنات بجامعة جدة في الموسم الثقافي في جمادي الأول 1397

ضمن برنامج  نشاط اللجنة الثقافية لجامعة الملك عبد العزيز، جدة – السعودية

Zahira Reminisces on Journey's End....

 

        بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا...

        أخواتي وبناتي العزيزات.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

        أبدأ بعد ذكر الله تعالى بشكر جامعة الملك عبد العزيز قسم الطالبات أن شرفتني بهذه الدعوة الكريمة، وأتاحت لي الفرصة للقائي معكن ضيفات وأستاذات فاضلات ومع بناتي الطالبات العزيزات. وأود أن أهمس إلى الأستاذة الفاضلة الدكتورة رسمية علي خليل بأن ما قدمتني به كثير، وإن ما بي من نعمة فمن الله تعالى.. وأما تشريفها لي في الواقع فقد كان لأخت لها مسلمة تقصد منه قبل كل شيء إعزاز الدين الحنيف وتشجيع الفتاة المسلمة للعلم والعمل في ظل دينها وإيمانها. ففي الواقع يا بناتي العزيزات أقر بأنني أنا بالذات لم أحقق ما حققت إلا بدافع من إيماني بالله يدفعني دفعًا ومن تعاليم ديني توجهني، ومن شحنة من حب لما يرضي الله سبحانه وتعالى تملأ نفسي، فلا فتور ولا يأس لأن الغاية كانت دائمًا ربي، وإظهار فضل الدين الحنيف فضل تراث الآباء والأجداد الذي غفلنا عنه في زماننا هذا فأصبنا بالهزال وغشينا الهوان بعد عزة وكرامة.

        وموضوع اليوم كما اخترتموه هو بعض ما تجيش به نفسي من ذكريات، وما أفدت من دروس خلال رحلاتي شرقًا وغربًا. ففي الواقع إني قد أنجزت الكثير من الرحلات في بلاد كثيرة من العالم أذكر منها في الغرب: إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأمريكا اللاتينية.. وفي أوروبا: ألمانيا والنمسا وسويسرا واليونان وأسبانيا.. وفي الشرق: اليابان وإندونيسيا والهند وإيران والعراق وتركيا والشام.. وتنجانيقا وكينيا وأوغندا والسودان في أواسط إفريقيا – وكان الهدف من معظم هذه الرحلات هدف علمي طبي وصحي عادةً، واجتماعي أحيانًا – وفي بدء حياتي العملية كان الهدف للدراسات العليا والتدريب العملي في المستشفيات، وعمل البحوث العلمية.. ثم كانت رحلاتي بعد ذلك لإلقاء أبحاث في مؤتمرات علمية أو محاضرات تعليمية في بعض الجامعات أو لزيارة مستشفيات وأنشطة صحية ثم بعد ذلك لوضع برامج لمشاريع صحية... الخ. ولقد كنت دائمًا حريصة أن أقرن الجانب الطبي ببحوث استكشافية عن حال الإسلام والمسلمين من سكان هذه البلاد لا لمجرد العلم والمعرفة، بل أثار ما رأيت وما سمعت رغبة في عمل إيجابي هادف أو على الأقل استخلاص لما أرى من نقاط إيجابية فعالة يمكن أن تكون حلاً لبعض المشاكل أو لما تعانيه الفئة المسلمة في بعض هذه البلاد من تخلف أو غفلة لشأنها أو لظلم وقع عليها في بعض الأحيان. كنت أيضًا حريصة على تعرف أحوال الشعوب عمومًا واستكشاف أسباب أي نهضة علمية أو ازدهار حضاري خصوصًا في بلاد الغرب مما قد يكون أساسًا لبناء نهضتنا والارتفاع بشأن أوطاننا كانت هذه كلها خوالج تجتاح نفسي وأحاول ما استطعت وما سنحت لي الفرصة أن أحقق المتاح منها.

        وأولى رحلاتي العلمية كانت عام 1947م إلى لندن بغرض إجراء دراسات عليا رغبة في الحصول على درجة العضوية الملكية من جامعة لندن.

        وكانت تعطى بعد امتحان ليس باليسير إذ كان اجتيازها في الواقع بنسبة حوالي 10% من المتقدمين (أي للمتفوقين فقط) وذلك لتمييزها عما يعطى من درجات أخرى سواء في إنجلترا نفسها خارج لندن أو غيرها من العالم الغربي إذ كان المقصود هو إيجاد الاستشاري (لا أخصائي فقط) في الأمراض الباطنية والأطفال – كما أقول طبعًا كنت أحس بأن المسألة كبيرة وشاقة عليّ ولكن يا بناتي كنت دائمًا أرغب في جهاز يعز الإسلام والمسلمين.. شجعني على الذهاب إلى لندن على الدراسة وجود زوجي أيضًا في لندن في دراسة علمية للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة لندن، وهنا أود أن أقدم نصيحة عابرة ولكنها هامة ناتجة من خبرة وعلى يقين وأن أنصح بما ينصح به ديننا من أهمية مصاحبة الزوج أو المِحرم في السفريات البعيدة لأن السفر عمومًا والسفر الطويل والاغتراب لسنوات في بلد غريب وخصوصًا في الغرب للشابة قد يكون له آثار كثيرة غير طبية إن تواجدت الفتاة بدون زوجها وأسرتها. وإذا حدث رأينا الكثير ولقد رأيت بنفسي لآخرين فتيات وفتيان بعض الصدمات النفسية، ورأيت انحرافات كثيرة، رأيت شططًا كثيرًا في الآراء والانطباعات وفي السلوك رأيت من ينبهر بمظاهر خادعة دون إعمال فكر، ودون من يرشده ويطلعه على حقائق الأمور... والمسافرة خصوصًا والمسافر خصوصًا من الشباب يحتاج إلى توجيه سابق وإلى صحبة رشيدة واعية وإلا تعرض كل منهما لأذى كبير.

الانحرافات وبث الأفكار الخاطئة :

        وفي الحقيقة أقول هذا الكلام من واقع خبرة طويلة وتجربة ورؤية في الموقع لكثيرات وجدوا في ظروف مثل التي وجدنا فيها، وأرجو أن يكون لحديثي هذا أثر عملي في حياتكن.. إننا عندما نسافر إلى الغرب نتعرض لأمور خاطئة ويساعد على ذلك أن الغرب يقاسي فعلاً من انحرافات كثيرة ويعاني منها معاناة كبيرة.. فقد رأيت في بعض دراساتي الحقلية في إنجلترا مثلاً المعاناة الناتجة مما يمكن أن نسميه بالحرية الطائشة والتي أعطيت بلا حدود للفتى والفتاة وحدث أن هذا الأسلوب قد أطاح بكيان وحياة الكثير من شباب هذه البلاد، فلا كيان أسري بل تفتيت وتسيب أسري سببا ضياع الشاب والشابة وسببا بالطبع شقاء أبناء بلا آباء... والكلام في هذا يطول ولقد أردت فقط أن أضرب مثلاً عن مأساة الحرية الغاشمة والاختلاط الغريب بلا رقيب ورأيت المأساة أمامي مجسمة حينما شاهدت هؤلاء الشباب بعيني رأسي، ورأيت ما يبذل من مال وجهد فيما أعدّ خصيصًا لبعض هؤلاء النسوة الأشقياء، ورأيت ما يعانونه من ضياع ووحدة وكآبة.. رأيت مدن الأطفال الضائعين وما تتكلفه الدولة لتيسير الجو الشبيه بالجو الأسري لهم، وما يقاسيه هذا النشء من انعكاسات نفسية في حياته خصوصًا في سن المراهقة وحتى بعض النضوج. وكما قلت سابقًا أن الكلام في هذا يطول... ويكفي أن أقول أنني سمعت بأذني من القائمين على هذه المشاكل من يلعن في حنق ما يسمى بالحرية الزائدة ومن يتوق أن يرجع عهد الملكة فكتوريا من جديد.. يعني عودة إلى التقاليد الأسرية القديمة فاعتبروا يا أولي الألبـاب...

إفساد الشباب العربي والمسلم خاصة :

        وبالإضافة إلى ما يجتاح أجواء الغرب من تسيب وانحرافات فإن هناك جهودًا منظمة وجادة يقوم بها جماعات خاصة وأحيانًا هيئات دولية معترف بها.. يقوم هؤلاء وهؤلاء بعمل منظم ذكي لإفساد الشباب العربي والمسلم بالذات، والدوافع لذلك عادةً سياسية ومادية وبعضها دينية متعصبة... إلى آخره إذ تتلقى هذه الجماعات شبابنا عن طريق إبداء الرغبة في المساعدة والتوجيه أو لغرض العطف والترفيه عنهم وعمل صداقات عائلية أو في نوادي خاصة كمل نوادي أصدقاء العرب أو نادي الصداقة الأوروبية العربية، أو نوادي الشباب... وتقام في هذه النوادي وغيرها حفلات ترفيهية راقصة ويحدث التعارف بين الشباب الإنجليزي والعربي والإفريقي... ولقد حضرت مثل هذه الحفلات بنفسي ولكن كنت محصنة والحمد لله، وكنت أحضر لأرى وأدرس ولا خوف عليّ... ورأيت كيف تتم الصداقات وسط هذا الجو غير الصحي وغير النفسي وكيف يتم الإفساد بإفساد الشباب والشباب المسلم بالذات، حيث شرب الخمر وبث الأفكار الخاطئة عن دينه والزواج من الأجنبيات وهو بالطبع مكسب كبير للأغراض السياسية والمادية، إذ كثيرًا ما يصبح هذا الشاب بعد عودته إلى وطنه من القيادات الهامة في بلده فتحكم هذه الأجنبية البلد من الخلف وتحكم البقية الباقية من خطة الإفساد... ولقد بدأت حديثًا ظاهرة زواج المسلمة من غير المسلم وبذلك تفقد الفتاة شخصيتها المسلمة وأبناءها كمسلمين في كثير من الأحيان... ولا داعي أن أطيل أكثر من ذلك، إنما أردت فقط أن ألفت الأنظار إلى ما يحاك في الظلام وما لا تدرك مغبته إلا بعد فوات الأوان...

ضرورة إرسال المبعوثين متزوجين :

        أريد أن تحرص الفتاة وأولياء الأمور وكذا الحكومات على أن تكون الدراسات العليا بالخارج بعد الزواج، وأن يكون عضو البعثة فتى أو فتاة محصنًا بالزواج ومصاحبًا للزوجة أو مصاحبة للزوج. ولا تزال كلمات أخي الدكتور مهدي وهو مصري الجنسية استوطن كندا هو وعائلته منذ سنوات، لا تزال كلماته ترن في أذني وهو يقول: أرجو أن تلفتوا أنظار الحكومات العربية والإسلامية أو على الأقل حكومتنا في مصر ألا ترسل مبعوثًا إلا ومعه زوجته، فالخسارة على الإسلام كبيرة وجد مفجعة. وكنت أنا والحمد لله كما قلت مع زوجي في أول زيارة لي بالغرب وكنت أيضًا قد ناهزت الثامنة والعشرين من العمر... ومع ذلك فقد طرق عليّ الباب من جهات أخرى.. ففي هذه الزيارة الأولى وما تلتها من زيارات كان هناك إغراء على المشاركة في أنسهم بتناول بعض الخمر، وكانت ردودي دائمًا متشابهة والحمد لله أنني كمسلمة مؤمنة لا أتعاطى الخمر لأنه رجس من عمل الشيطان.. فقد في حفل التكريم الذي أقيم في الكلية الطبية الملكية بلندن عندما منحت درجة الزمالة الفخرية كان حديثي بجرأة وصلابة وبلغة الطبيب الفقيه الواثق... وكان تساؤلاً مني أكثر منه إجابة لهم.. كان كل من حولي يحتسي الخمر وكعادتي طلبت عصير الفاكهة بدلاً من الخمر كما طلبت أن يكون طعامي من اللحم بدون
الـ 
Sauce الذي يضعونه فوقها لأنهم يمزجونه بالنبيذ أو الشمبانيا... ووجهت أنا السؤال إلى السكرتير العام للجمعية وكان جالسًا بجواري وقلت أريد أن تصارحني برأيك الشخصي أيهما أفضل من الناحية المنطقية ومن الناحية العلمية والطبية... شرب الخمر أو الامتناع عنه، فكان الجواب يا أستاذة يا ليت لنا حرية الاختيار أو السيطرة الكاملة على أنفسنا.

حكموا العقل.. للعمل الجاد والنظام وتوحيد الكلمة والصف :

        بناتي العزيزات... حكموا العقل قبل أن تسيطر على العقل الشهوات... فلا هي الخمر المتفشية في البلاد الغربية ولا في الحرية الغاشمة التي اجتاحت الشباب، ولا هو الملبس الخليع، ولا هو اتباع كل ما استحدث من موديلات الأزياء، ولا هو إتقان الماكياج، ولا هو الرقص.. ولا.. ولا.. ولا هذا ولا ذاك الذي تسبب في التفوق العلمي والاقتصادي في بلاد الغرب، ولكنه:

أولاً :  العمـل الجـاد :

        وهو ما أمر به دينكم الحنيف )وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون( ثم إتقان العمل ليكون مصلحًا ومفيدًا، وآيات العمل الصالح كثيرة ولا حصر لها، كذلك حديث الرسول e معروف وهو : «أن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»... ثم أن يكون العمل عملاً إيجابيًا للمجتمع ولصالح المجتمع ككل وليس فقط للفائدة الشخصية.. وأعتقد أنه لا توجد فلسفة ولا ديانة دعت إلى البذل والعطاء لصالح الغير ونفرت من الأنانية الفردية مثل عقيدة الإسلام ودين الإسلام.

ثانيًا :  مراعاة النظام في كل شيء :

        في العمل، وفي السلوك اليومي في برامج الدولة... إلى آخره. والنظام كما نعلم هو روح الدين الإسلامي ومن ركائزه... ولعل الآية الكريمة التي تصف المقاتلين من المؤمنين وتقول: )إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص..(، وكذا الحديث الشريف الذي يقول: «إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»، وفيها ما يشير إلى التوجيه العملي إلى النظام في كل سلوك.

ثالثًا :  توحيد الكلمة والصف :

        فقد وصل الغرب إلى ما وصل إليه أيضًا بتوحيد الكلمة والصف، بالتماسك والتعاون وعدم الانشقاق والنزاع.. وكلها مبادئ هامة للنجاح لو راعيناها نحن المسلمون واتحّدنا كافة ولو من الوجهة الاقتصادية والعمرانية والعلمية، ولا أقول من الناحية السياسية والحربية الآن، لكانت سيادتنا واضحة في هذا المضمار. وتراثنا الإسلامي غني بالدعوة إلى التجمع والاتحاد وعدم التنازع، والتنافر والحق تبارك وتعالى يقول: )لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم( و«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» و)إنما المؤمنون إخوة( ولكن للأسف نرى أن السوق الأوروبية التي تكلموا عنها منذ سنوات قليلة قد أصبحت حقيقة واقعية في حين أن الجامعة العربية تضمر مع الأيام.. لقد اتفق جميع دول السوق الأوروبية يساندها دول شرق أوروبا وأمريكا على محاربة ظهور أية قوة جديدة في عالمنا بكل ما يمكن من معاني الإجماع ونحن لا نستطيع أن نتفق على سياسة جماعية فيها لنا قوة وإعزاز. فالخير كثير والإمكانيات المادية أصبحت متاحة والأمر يحتاج فقط إلى تضافر وتخطيط سليم ثم عمل دائب مخلص.

        لقد والينا غير المؤمن وفضلناه، وقد نلتمس العذر للقيادات أحيانًأ في ذلك، لأن غير المؤمن أصبح أكثر التزامًا وأصدق تعاملاً وأعظم إنتاجًا في كثير من الأحيان ولو إني أود أو أهمس وأقول أنه عادةً أسوأ نية ولو أن ما يسيء إلينا يعمله عادةً في خفاء ومكر ودهاء.. ولا بأس من أن نستفيد من جهودكم ولكن في نفس الوقت نكون حريصين بل أن دعوة الإسلام لنا أن نكون سباقين للعمل الصالح.

التشكيك في الإيمـان :

        وأعود معكن – عزيزاتي المستمعات – إلى أسلوب آخر من أساليب الإغواء.. وهذا الأسلوب قد تصادفه بناتنا في تحركاتهن، وهو يوجه أكثر ما يوجه إلى الفئة المتعلمة وقد صادفته أنا بالذات.. وهو أسلوب التشكيك في الإيمان بالله عز وجلّ وبوجود الله، فتارة يريدون أن يدخلوا في روع المثقف أن فكرة وجود الله تبارك وتعالى تنافي العقل والعلم، وأن كل شيء تواجد تحت ظروف وبناء على حقائق علمية... وأنه لو كان هناك إله كما يقول الناس رحيم بعباده، فما لنا نرى كل المآسي والعيوب الخلقية في طفل بريء من مخلوقاته.. أو إذا كان هناك إله مسيطر على العباد فما باله يدع العبد يخطئ ثم يعذّبه الله إذن على ذنب لا اختيار له فيه؟.. وغير ذلك من أساليب التشكيك التي كنت بفضل الله وبما أعطاني لا أقول من ذكاء أو علم في الطب أو خلافه بل من حكمة وفطنة كنت أخرج منتصرة والحمد لله.

        لا أريد أن أطيل في ذلك، فقط أردت أن أعرض بعض الأساليب التي قد يقابلها أبناؤنا مع زيادة الأسفار وزيادة الانفتاح بين الشعوب. ولتعلموا جيدًا كما قلت أن شياطين الإنس قد نظموا المنظمات التي تعمل بمكر ودهاء وبجهد دائب لا يفتر، وأنه لمن المؤسف حقًا أن هؤلاء الشياطين وإن اختلفت مللهم ونحلهم من ماسونية وشيوعية وصهيونية وطوائف تبشيرية وغرب مستعمر... إلى آخره فقد اتخذوا موقفًا موحدًا وسياسة منسقة متعاونة إزاء الإسلام والمسلمين ولعلهم وجدوا الإسلام من القوة بحيث لا يستطيعون السيطرة عليه وهدمه إلا بقوة متجمعة.. فالحق قوي ونور الحق ساطع.. والخلفيات من وراء ذلك كثيرة أضف إلى ذلك أن الحقد يكون دائمًا من الحسن الجميل. وأكتفي بهذا القدر من هذه الناحية.

مشاكل المسلمين خارج المنطقة العربية :

        والآن أنتقل بكم إلى بعض مشاكل المسلمـين خارج المنطقة العربية.. كما قـلت لكـم – عزيزاتي المستمعات- أنني زرت الكثير من هذه البلاد، ولم تخل بلد مما زرت من مشكل، وكل بلد تختلف في مشاكله.. فالعرض طويل والوقت قصير لذا سأقصر القول على بلد أو بلدين.

مشكلات المسلمين في أمريكا اللاتينية :

        لقد زرنا أمريكا اللاتينية خلال النصف الأخير من رمضان عام 1394هـ بغرض حضور المؤتمر الدولي لطب الأطفال المنعقد في بيونس أيرس عاصمة الأرجنتين. لو كنتم تذكرون الجغرافيا، فإننا نترك القاهرة إلى نيويورك لمدة 14 أو أكثر ساعة طيران ثم نركب 14 ساعة أخرى إلى عاصمة الأرجنتين وهكذا نرى المشرقين والمغربين ونحن في الطائرة.. وبجانب النشاط العلمي وحضور المؤتمر والإسهام فيه بإلقاء بحوث، حاولت التعرف على أمور المسلمين... وعلمت أنه توجد كثرة من العرب المسلمين الذين هاجروا إلى هذه البلاد منذ زهاء قرن من الزمان – ففي البرازيل وحدها حوالي مليونين عربي مسلم، كما علمت أيضًا أن الجيل الحديث وهو الجيل الثالث من النشء والشباب المسلم قد أوشك أن يذوب في المجتمع المحوط به من غير المسلمين إن لم نتدارك الأمر بتلقينه شيء من عقيدته وإن لم يتعرف على مزايا هذه العقيدة وأركان الإسلام وأسلوب مزاولة العبادات وشيئًا من كتاب الله والسنة... إلى آخره.

        علمت أيضًا أنه كان في بلد مثل سان باولو حيث توجد كثرة من المسلمين سبع وثلاثون مدرسة إسلامية ولكن تناقصت إلى مدرستين فقط الآن، وحتى هاتين المدرستين في طريقهما إلى الزوال.. ما لم يدعما بالعون المادي والمعنوي وبهذا نتدارك الأمر.

شوق وحماس المسلم المتغرب لمعرفة دينه :

        ودعيت في ليلة 27 من رمضان إلى المركز الإسلامي في بيونس أيرس وهو مبنى استأجره لبناني مسلم من ذوي الأعمال في محاولة لتجميع المسلمين وتدريس الدين.. قوبلت فيه بترحيب كبير، وحضرت الاحتفال بليلة القدر وكان عبارة عن ترديد الدعاء باللغة العربية لا يفهمه أكثر الحاضرين.. ثم دعيت عقب ذلك الحديث فلبيت الدعوة رغم علمي بعجزي وقصوري ووفقني الله إلى حديث قصير باللغة الإنجليزية ولكن في اعتقادي كان حديث القلب إلى القلب.. وكم تلتقي قلوب المسلمين بلغة السلام والإيمان، وإذا أجد الجميع يلتفون حولي من النشء صغير السن والشباب والأمهات والكل يبتسم ويربت على كتفي شاكرًا مما ترك في نفسي أثرًا عميقًا لا أنساه أبدًا، كما شعرت وقتها بالتقصير الشديد حيث أرى أمامي جيل كبير في أشد الشوق لمعرفة دينه جيل من الآباء والأمهات والأجداد والكل يرحبون ويرغبون في أن يتعلم أولادهم الدين، فالأرض خصبة للنبت بلا عوائق، وكم تبذل أموال كثيرة في أرض مجدبة للتبليغ بالإسلام في بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية لجذب أفراد قليلة غير مسلمة للدين الإسلامي، بينما هؤلاء الملايين قد أوشكوا أن ينصرفوا تمامًا عن الإسلام ويذوبوا في الثقافات والأديان الأخرى حولهم.

من أين نبدأ ؟ ضرورة الدراسة الجدية للأولويات :

        ولنسأل أنفسنا من أين نبدأ في رعاية هذه الأقليات المسلمة والتي قد تكون في بلاد أخرى الأكثرية المسلمة ؟

        نحن ندور في متاهات لا أول لها ولا آخر.. فقد نوجد الرغبة والنية الصادقة في المساعدة والتعاون لكن ينقص الدعم المادي، وحتى إذا توفر بعض المال فلا ندري أين الأولويات ولا ندري سبل الإنجاح إذن يحتاج هذا كله إلى دراسة وتخطيط ثم عمل دائب.. يجب مثلاً أن نوفر الكتاب المبسط عن مبادئ الدين الإسلامي: عن العقيدة والعبادات وعن السيرة النبوية.. يجب أيضًا طبع بعض آيات القرآن الكريم ومعانيها بالعربية والأسبانية كذلك بعض الأحاديث النبوية بلغة مبسطة مفهومة للنشء هذا بالإضافة إلى ضرورة إعداد الدعاة العارفين لدينهم والمتحمسين للدعوة الإسلامية وبحيث يتقنون لغة القوم – وهي الأسبانية هنا- الذين يقومون بتعريفهم للدين الحنيف حتى يكون للدعوة أثرها وتأثيرها.

التخطيط التبشيري في إندونيسيا :

        ومثل آخر لدولة أخرى نرى فيها الإسلام مهددًا بشكل آخر هي إندونيسيا التي زرتها في عام 1965م (1385هـ) لحضور مؤتمر طب الأطفال الأسيوي الإفريقي في عاصمتها جاكارتا ولقد راعني ما سمعت عن قرارات المجلس الأعلى للكنائس والذي عُقد قبل ذهابي بسنة وإقراره تخطيطًا سريًا لقلب إندونيسيا المسلمة إلى إندونيسيا المسيحية في خلال ربع قرن من الزمان بناء على التجارب السابقة في السنين الماضية. وكنت سمعت ذلك من بعض الأصدقاء المسلمين هناك، ولم أصدق ذلك في أول الأمر ولكن لما بدأت أختلط في لقاءاتي ببعض الشخصيات من السيدات المتعلمات ومن الطبيبات والطالبات الإندونيسيات تبين لي أن السبب الأساسي هو تهافت الطبقة الفقيرة وهي تمثل الأغلبية بالطبع على مدارس البعثات التبشيرية المجانية خصوصًا بعد أن تولت فئة تخرجت من هذه المدارس المناصب العالية.. وساعد على هذا الإقبال أيضًا ما أذاعته بعض القيادات وبعضهم من تربى على أيدي المبشرين أن الجميع في إندونيسيا من مسلمين وغير مسلمين يعبدون الله – وفي هذا ما فيه من تمويه للعقيدة الإسلامية وبلبلة لعقلية النشء والشباب مما يمهد الطريق للشباب لاعتناق المسيحية ويسهل للآباء إرسال أبنائهم للمدارس التبشيرية وموافقتهم على تعميدهم منذ الصغر واستبدال أسمائهم بأسماء مسيحية... إلى آخره، ولقد أصبحت هذه كلها شروطًا سافرة للقبول بتلك المدارس التبشيرية.

        وآخر ما علمت من أنباء عن إندونيسيا أن عدد من ارتد عن الإسلام واعتنق المسيحية قد بلغ حتى الآن أكثر من ثمانية ملايين، وأصبح في إندونيسيا مطارات كثيرة خاصة للبعثات التبشيرية وهي مغلقة على غير المسيحيين، كذلك خرائط لهذه المطارات – وكان لدي واحدة من هذه الخرائط أعتقد ما زلت أحتفظ بها.

        والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو : هل يا ترى تحركت الجهات المعنية لتتبع الأمر؟ وهل هناك دراسة جدية وتخطيط جاد لوقف هذا الزحف الخطير ؟

        في رأيي أن المسألة تحتاج لدراسة وتخطيط سليم ثم جدية وإخلاص في العمل والتنفيذ.

حال المسلمين في جنوب السودان :

        واسمحوا لي أن أعرض لكن – عزيزاتي المستمعات – مثلاً آخر لحال المسلمين في جنوب السودان حيث كنا هناك من حوالي سنتين.. إن الأمر هناك مؤسف حقًا. كان المسيحيون يمثلون أقل من 6% فقط من السكان ومعظم أهل الجنوب قبائل وثنية، ولكن تسيطر القلة المسيحية الآن بالحكم الذاتي حيث أن الوزراء وكل المسئولين الكبار من هذه القلة المسيحية، وقد أطلقت العنان للتبشير المسيحي ووقفت في وجه أي دعوة إسلامية هذا في الوقت الذي يعتبر السودان جنوبه وشماله وحده ويبلغ عدد المسلمين أكثر من ثلثي التعداد العام، والباقي كان وثنيًا كما سبقت الإشارة. وتمارس البعثات التبشيرية طريقة بسيطة غير مكلفة بتاتًا حيث يمر الراهب أو تمر الراهبة على الأهالي الذين لا يرسلون أبناءهم إلى المدارس ويسألونهم لماذا لا يرسلوهم... والمهم أنهم يأخذون الأولاد للتقديم للمدارس وتدفع نيابة عنهم رسول التسجيل وتسجل التلميذ في المدرسة باسم مسيحي وبأن ديانته المسيحية، وهذا حق تعطيه حكومة الحكم الذاتي لمن يسدد رسوم التلميذ، فمن يسدد رسوم المدرسة يقيد دينه هو وهكذا بسهولة يصبح كثير من تلاميذ المرحلة الأولى مسيحيين. ثم تتولى هذه البعثات التبشيرية هؤلاء التلاميذ الجدد بالعطف عليهم وشراء مرايل المدرسة لهم وأخذهم إلى الكنيسة كل يوم أحد، وهكذا ينشأ الطفل نشأة مسيحية منذ الصغر، ولا شك أن الجيل القادم سيصبح مسيحيًا دون عناء، وهذه أساليب ذكية غير مكلفة، وبهذه الطريقة تتجاوب الحكومة الحالية مع المبشرين مما أسفر عنه الوقوف في وجه انتشار الإسلام بين الجنوبيين في السودان.

        والآن – عزيزاتي المستمعات من الضيفات الكرام وعضوات هيئة التدريس وبناتي الطالبات في جامعات الملك عبد العزيز.. أكتفي بهذا القدر، وأختم حديثي لكن بأن أقول: إن كان لنا آباء وأجداد قد جاهدوا في الله حق جهاده، وأوصلوا لنا نور الإيمان، فما أحرانا أن نسلك طريقهم ونقتفي آثارهم، ولا نحرم أجيالاً قادمة من هذا النور المبين ومن سعادة معرفة الله الحق كما علمنا رسول الله e .

        ونفتح الآن باب الأسئلة وإنني على استعداد تام للإجابة على أية أسئلة في موضوع اليوم أو إن شئتم في موضوعات أخرى متعلقة بالطب والصحة العامة خصوصًا تلك التي تهم الفتاة نفسها وتهم بناتنا طبيبات المستقبل بوجه خاص، ولو أن هذا يحتاج إلى حديث بل إلى أحاديث كثيرة خاصة أو متعلقة بأوجه الجهاد عامة بالنسبة للفتاة خصوصًا في مجال العمل والنشاط الاجتماعي وميدان الطب الاجتماعي، وهذا أيضًا موضوع شيق وهام في بناء نهضتنا مثل إعداد برامج خاصة للتثقيف الصحي خصوصًا في تربية الطفل أو في المراحل التعليمية الأخرى، ثم برامج خاصة بالنسبة للمسلمين في العالم...

        وأرجو أن تتاح الفرصة لحديث خاص فيه في المستقبل إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

الدكتورة/ زهيرة عابدين

التاريخ : 9 جمادى الأولى 1398هـ

 


Back Up Next

 

Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse


Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment - M.A.F.]. All rights reserved.
Revised: April 17, 2007 .