|
من ارشيفنا - لقاءات وحوارات مع أم الأطباء - المصدر: الأهرام ، التاريخ : 6-9- 1991 العالمة التقية التي كرمها العالم ووصفها الغرب بأنها أسطورة قلما تتكرر الدكتورة زهيرة عابدين: بقدر الصدق مع الله.. تتفجر الطاقات وتجني الثمار مايسة عبد الرحمن أبرزت صحف العالم هذه الأيام مسيرة حياة الطبيبة المصرية الكبيرة زهيرة عابدين بعد فوزها بجائزة نورجال العالمية وقد اختارها أربعمائه عضو ممثلين لخمسين دولة وهذه الجائزة التي تمنح لأول مرة منذ إنشائها قبل 45 عاما ـ لسيدة من خارج أمريكا وأوروبا الغربية ـ قالت عنها الصحف الغربية بالنص " إنها نموذج لامرأة قلما تستطيع امرأة أخرى محاكاتها في سيرة حياتها المليئة بأعمال الخير وأنها تحظى بإعجاب كبير في ألمانيا بشكل خاص لأن ما قامت به هذه السيدة في حياتها يقترب من مرتبة الأسطورة !" ولهم الحق في ذلك فما أنجزته هذه المرأة الجليلة خلال أعوامها الـ 75 ولا تزال تخطط لتنفيذه يفوق الخيال. والدكتورة زهيرة أول امرأة عربية تحصل على عضوية الجمعية الطبية الملكية البريطانية (عام 48) ولم تمض عش سنوات حتى منحتها الجمعية درجة الزمالة الفخرية ـ وهي درجة عالية لا تمنح إلا لقلة منتقاه في العالم ـ ولم يحصل عليها أحد في الشرق العربي غيرها.. وفي عام 1980 منحتها جامعة أدنبره ببريطانيا وهي أعرق كلية طب في العالم ـ أنشئت منذ 250 عاما ـ درجة الدكتوراه الفخرية من بين مرشحي العالم أجمع. وهي من مؤسسي علم الطب الاجتماعي في العالم ورائدته في العالم العربي وصاحبة أكثر من مائة بحث على جديد ساهمت في انحسار العديد من الأمراض وهي التي اكتشفت نوع الميكروب السبحي المسبب لروماتيزم القلب مما خفض نسبة الإصابة به في مصر وكان لمركز روماتيزم القلب الذي أنشأته في الهرم بالجهود الذاتية الفضل الكبير في خفض مضاعفات مرض روماتيزم القلب حيث أن 90% من الحالات تشفى من المرض إذا عولج في مراحله الأولى فكانت تذهب بنفسها إلى المدارس لاكتشاف الحالات المبكرة وعلاجها بمركزها الطبي مما أدى إلى انخفاض الحالات الخطيرة من 60% إلى 1% وتأهيلهم. كما أنشأت دار صحة الطفل بالدقي وبه دار للمسنات وحضانة للأطفال وجمعية التربية الإسلامية.. وهي صاحبة فكرة مدارس اللغات الإسلامية وأول من بدأ تنفيذها عام 78، وهي مدارس تحرص على الدين السمح وعدم التشدد.. هذا إلى جانب أنشطتها المختلفة في جمعية الشابات المسلمات والهلال الأحمر والقرآن الكريم كما أنها أول من أسس جمعية الطبيبات المصريات.. وربما اكتشفت بعد حين أن هناك أنشطة أخرى للدكتورة لا نعرفها فكما تحدثت مع أحد بشأنها يذكر لي اسم عمل جديد. وتاريخ التفوق في حياة الدكتورة زهيرة تاريخ بعيد فلقد كانت متفوقة في جميع مراحل دراستها وكانت الأولى على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) بنين وبنات (عام 1936) وكذلك تفوقت في كلية الطب حتى كانت أول طبيبة مصرية تنضم في كلية الطب حتى كانت أول طبيبة مصرية تنضم إلى هيئة تدريس جامعة القاهرة.
التوفيق على قدر الصدق والحماس الناس ترد " لا كرامة لنبي في وطنه " وهي تقول " على العكس لقد أعطتني بلدي الكثير، بل أعطتني أكثر مما استحق، ويا ليتني أستطيع أن أوفيها حقها"... بهذا التواضع الشديد والسماحة بدأت كلامها معي في محادثة هاتفية طويلة من دبي حيث تعمل الآن كعميدة لكلية طب البنات الإسلامية. وتكمل الدكتورة زهيرة حديثها التليفوني.. " لقد كرمني ربي كثيرا هزني تكريم العالم لي ليس بسبب شخصي الضعيف بقدر ما فيه مت تكريم للمرأة المسلمة والمرأة العربية المصرية.. وخاصة أنني لم أرشح نفسي لتلك الجوائز بل إنني فوجئت باختيارهم.. أما بالنسبة لتكريم بلدي لي. فهو الكثير والحمد لله، فلقد تم اختياري العام قبل الماضي أم للأطباء المصريين (80 ألف طبيب)... كما نلت درع الجمهورية للتفوق في العمل الاجتماعي ووسام ذهبي في ذكرى مرور 150 عام على إنشاء كلية طب القاهرة كما نلت وسام رواد الطب من نقابة الأطباء الآن. أنا لا أنتظر نيشانا ولا تكريما لقد أخذت من الدنيا كفايتي وكل ما أرجوه أن يقبل الله تعالى أعمالي ويرحمني" تقول عنها تلميذتها في كلية الطب الدكتورة منى أبو السعود التي أصبحت ناظرة لحضانة الطلائع الإسلامية... لا أستطيع أن أنسها فهذا أقوى ؟؟؟ عليه وهي بين يدي الله في الكعبة المشرفة ـ حيث تحرص على أداء الحج كل عام والعمرة مرتين سنويا ـ وقد وقفت خائفة تبكي متبتلة إلى الله تعالى أن يقبلها ويحفظها من الخطأ حتى تلقاه! .. كيف استطعت التوفيق بين كل أعمالك وإنجازاتك الاجتماعية وبين أسرتك (المكونة من زوج وأربعة أبناء!)... جاء الرد سريعا " بالصدق مع الله وإخلاص النية له سبحانه وفقني.. وعلى قدر الحماس يقل التعب وأنا لم أظلم أسرتي أبدا خاصة في مرحلة الطفولة أما في مرحلة المراهقة فأعترف أنهم كانوا يحتاجونني بقدر أكبر! لكن زوجي الفاضل أعانني في هذه المرحلة كما عاونني في مسيرة حياتي كلها. والدكتورة زهيرة أم لأربعة أبناء الدكتورة منى وهي أستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، ود. هدى الأستاذة المساعدة بكلية طب القاهرة، ود. عزة وهي أستاذ مساعد بطب بنها والدكتور عمر الأستاذ المساعد بالهندسة. ** هل حققت الدكتورة زهيرة آمالها وطموحاتها بالنسبة لبلدها وبالنسبة لربها؟ .. يا ليت لي عندي الوقت والطاقة، و يعلم الأعمار إلا الله وحده.. وأنا فعلا بصدد تنفيذ أحد آمالي.. كعادتها رفضت الحديث عن أفكارها إلا بعد أن تثمر! .. وتكمل " بدأت قصة حبي لربي منذ نعومة أظافري فكان حبا فطريا وكنت أصلي له سبحانه وتدمع عيناي والبيت كله نائم وأنا عمري خمس سنوات.. أما حبي وإيماني اليوم لله تعالى أصبح حبا قويا راسخا مبنيا على تفكير وعلم ويقين بأن الله تعالى حق وأن لا شيء يستحق العمل من أجله إلا ما يرضي الله تعالى.
قلت للدكتورة.. لاحظت تكرار قول مشهور بين العاملين معك في كل مجال على حده.. **مضمونة " الدكتورة زهيرة جاية وح تحل كل المشاكل ..."؟! ... أنا لا أتخذ قرارا أو موقفا في بداية المشكلة.. لكني انتظر حتى أكظم غيظي وانتظر حتى أهدأ ولا أيأس. وتقول الدكتورة فوزية حسب الله الطبيبة المشرفة على مركز روماتيزم القلب.. لقد تعلمت منها أنه ليس هناك مستحيل ولا توجد مشكلة ليس لها حل! تقول الأستاذة سوسن أيوب ناظرة مدراس طلائع الكمال الإسلامية بالدقي عما عرف عن حزها الشديد ومشقة العمل معها.. لقد اختلفت معها في بداية العمل معها.. لقد اختلفت معها في بداية عملي وتركت العمل لمدة أربع سنوات ولكن بعد فترة من النضج اتضح لي سلامة منهجها وبعد نظرها فعدت إلى التعاون معها والتعلم منها، تقول.. " لا أنسى يوم ذهبت معها لحضور إحدى اجتماعات الجمعية العمومية لمرضى روماتيزم القلب " وفي طريقنا للاجتماع وقع نظرها على طفله ممددة على طاولة الكشف فإذا بها تغير اتجاها تلقائيا وتدخل غرفة الكشف وبصورة لا إرادية تخلع معطفها وتضع السماعة على أذنيها وتبدأ في الكشف على الطفلة بدقة واهتمام بالغين وسط دهشة الحاضرين ثم تقرأ نتائج التحاليل بعناية شديدة وكان هذا هو أهم شيء في حياتها الآن...! ـ إنها إنسانة رأت بربها فلم تر سواه .. تقول عنها الأستاذة زكية عيسوي ناظرة مدرسة القومية للغات. أنها مع ما تميزت به من قوة بالغة في الشخصية وحزم شديد، تتمتع بخفة ظل عالية، وبقلب تملأه الرحمة والحنان.. لا أنسى عندما علمت بيتم أحد الأطفال الذين لم يقبلوا في مدرستها فأصرت على البحث عن أوراقه بين مئات الملفات وهي لا تستطيع مقاومة دموعها الغزيرة! .. لعقلت: ربما لأني فقدت والدتي وعمري ثلاث سنوات وربما بدافع الرحمة المتولد من حبي لله عز وجل، فالأطفال بريئة وضعيفة، وهي الفطرة وهي الأمل وهي أول درجة لأول سلم في بناء الإسلام الخير المتسامح الصادق مع به. ـ لم تهتم الدكتورة زهيرة بمرحلة الطفولة فقط بل بكل المراحل الإنسانية فلها نشاط كبير بجمعية الشابات المسلمات كما أنشأت دارا للمسنات بجمعية صحة الطفل بالدقي.. يقول د. حسين شحاته.. فراستها نادرة صائبة فيمن يتعاملون معها رغم مظهرهم الذي قد يبدو مغايرا، وكم أثبتت الأيام صدق إحساسها كما يقول عنها، أنها بقدر ما هي اقتصادية جدا في شأن الأموال التي تهب للأعمال الخيرية إلا أنها كريمة جدا في ولائمها الخاصة ـ وهي من أسرة ثرية وتنفق على أعمالها من مالها الخاص ـ لها صبر كبير على العبادة ففي سنها هذه تصر على صلاة الفجر جماعة في المسجد وتظل تقرأ القرآن حتى تطلع الشمس، تختم القرآن كل شهر وتحتفل بذلك مع من يختمونه معها. ـ بلغت شدة رقة الدكتورة زهيرة أنه بمجرد أن نشرت الجرائد خبر فوزها بجائزة نورجال لجهودها في الدفاع عن حقوق المرأة سارعت بإرسال التلكسات تطالب بالتصحيح قائلة " أنا لم أنلها لدفاعي عن حقوق المرأة فهناك من المصريات الفضليات من هن خير مني في ذلك ولكنه كان بسبب ما أعانني الله على القيام به في ميدان الطفولة والأمومة وفي الحقل الاجتماعي ". ** سؤال أخير.. ما أسعد لحظات حياتك؟ .. أقسم بالله .. أن أسعد لحظات حياتي هي التي ألقى الله تعالى فيها وأعرف أنه سبحانه قد قبلني ورضي عني. قلت: صدق الله العظيم " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين". |
|
Contrasting Epistemes: Framing an Intercultural Discourse Copyright © 1999 [The Abdin Waqf- Endowment -
M.A.F.]. All rights reserved.
|